السيد كمال الحيدري
175
السلطة وصناعة الوضع و التأويل (دراسة تحليلية تطبيقية في حياة معاوية بن أبى سفيان)
المؤمنين بالإسلام قبل فتح مكّة وليس الطلقاء من أمثال معاوية ، وهو ما ذهب إليه الشيخ تقي الدين السبكي « 1 » ؛ إذ لو كان المقصود بهم جميع الأصحاب لما كان لتوجيه الخطاب إلى « البعض » منهم معنى ، ولكان الأصحّ أن يقال : ( لا تتسابّوا ) ، ولما قيل : ( لو أنفق أحدكم ) فإن هذا البعض الأخير سيكون من الصحابة أيضاً . وعلى أيّة حال ، فإنّ محاولات الدفاع عن معاوية وتلميع صورته وإضفاء هالة من القدسية عليه إنّما بدأها معاوية نفسه ، ثم سار عليها من تأخّر عنه ممن التزم مساره وخطّه ، بل إن معاوية يرى في نفسه أكثر من ذلك ، ويصرّح بأحقّيته بأمر الخلافة وأهليّته لها أكثر حتى من الخليفة الثاني ! ورد في البخاري : ( حدّثني إبراهيم بن موسى ، أخبرنا هشام ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سالم ، عن ابن عمر ، قال : وأخبرني ابن طاوس ، عن عكرمة بن خالد ، عن ابن عمر ، قال : دخلت على حفصة ونسواتها تنطف ، قلت : قد كان من أمر الناس ما ترين ، فلم يجعل لي من الأمر شيء ، فقالت : « إلحق فإنّهم ينتظرونك ، وأخشى أن يكون في احتباسك عنهم فرقة » ، فلم تدعه حتى ذهب ، فلمّا تفرَّق الناس خطب معاوية ، قال : « من كان يريد أن يتكلّم في هذا الأمر فليطلع لنا قرنه ، فلنحن أحقّ به منه ومن أبيه » ، قال حبيب بن مسلمة : « فهلّا أجبته ؟ » قال عبد الله : « فحللت حُبوتي ، وهممت أن أقول : أحقّ بهذا الأمر منك من قاتلك وأباك على الإسلام ، فخشيت أن أقول كلمة تفرّق بين الجمع ، وتسفك الدم ، ويحمل عنّي غير ذلك ، فذكرت ما أعدّ الله في الجنان » ، قال حبيب : حُفظت
--> ( 1 ) راجع : الحديث وتعليق الأرنؤوط عليه في : مسند الإمام أحمد بن حنبل ، مصدر سابق : ج 17 ، ص 137 ، وما بعدها ، ح 11079 .